ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

53

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

انتصف النهار وهدأت العيون بالقائلة فنادوا لقمان من حيث يسمع كلامهم ولا يراهم فقالوا : يا لقمان ، هل لك أن يجعلك اللّه خليفة تحكم بين الناس ؟ فقال لقمان عليه السّلام : إن أمرني ربي بذلك فسمعا وطاعة لأنّه إن فعل ذلك بي أعانني وأغاثني وعلمني وعصمني ، وإن هو ( عزّ وجلّ ) خيّرني قبلت العافية . فقالت الملائكة : ولم يا لقمان ؟ فقال : الحكم بين الناس شر المنازل من الدين وأكثره فتنا وبلايا ، يخذل صاحبه ولا يعان ، ويفشي الظلم من كل مكان ، وصاحبه من بين أمرين : إن أصاب فيه الحق فبالحري أن يسلم ، وإن أخطأ ، أخطأ طريق الجنة ، ومن يكن ذليلا ووضيعا بين الناس لا يعرف كان أهون عليه في المعاد وأقرب إلى الرشاد من أن يكون فيها جليلا ومن اختار الدنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما ، تزول عنه هذه ولا يدرك تلك . قال : فعجبت الملائكة من حكمته واستحسن الرحمن منطقه ، فلما أمسى وأخذ مضجعه من الليل أنزل اللّه عليه الحكمة فغشاه بها فاستيقظ وهو أحكم أهل الأرض . وعن أبي جعفر عليه السّلام قال : لما وعظ لقمان ابنه قال : أنا منذ سقطت إلى الدنيا استدبرت الدنيا واستقبلت الآخرة فدار أنت إليها تسير ، أقرب من دار أنت عنها متباعد . يا بني لا تطلب من الأمر مدبرا ولا ترفض منه مقبلا ، فإن ذلك يفسد الرأي ويزري بالعقل . يا بني ليكن مما تستظهر به على عدوك الورع عن المحارم والصيانة لمروءتك والإكرام لنفسك أن لا تدنسها بمعاصي الرحمن ومساوي الأخلاق وقبيح الأفعال ، فاكتم سرّك وأحسن سيرتك ، فإنك إذا فعلت ذلك أمنت بستر اللّه أن يصيب عدوك منك عورة أو يقدر منك على زلة ولا تأمن تكره ( مكره ) واستصغر الكثير في طلب المنفعة واستعظم الصغير في ركوب المضرة . يا بني لا تجالس الناس بغير طريقتهم ولا تحملن عليهم فوق طاقتهم ، فلا يزال خليلك يعضدك والمحمول عليه فوق طاقته مجانبا لك ، فإذا أنت فرد لا صاحب لك يؤنسك ولا أخ لك يعضدك ، فإذا بقيت وحدك كنت مخذولا وصرت ذليلا ، ولا تعتذر إلى من لا يحب أن يقبل لك عذرا ولا يرى لك حقّا ، ولا تستعن في أمورك إلّا بمن يحب أن يتخذ في قضاء حاجتك أجرا فإنّه إذا كان كذلك طلب قضاء حاجتك لك كطلبه لنفسه لأنه بعد نجاحها لك كان ربحا في الدنيا الفانية وحظا وذخرا لك في الدار الباقية ،